الجصاص

398

أحكام القرآن

تأكل لأنك إنما سميت على كلبك " . فثبت بهذا الخبر مراد الله تعالى بقوله : ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) ونص النبي صلى الله عليه وسلم على النهي عن أكل ما أكل منه الكلب . فإن قيل : قد روى حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ثعلبة الخشني : " فكل مما أمسك عليك الكلب " قال : فإن أكل منه ؟ قال : " وإن أكل منه " . قيل له : هذا اللفظ غلط في حديث أبي ثعلبة ، وذلك لأن حديث أبي ثعلبة قد رواه عنه أبو إدريس الخولاني وأبو أسماء وغيرهما فلم يذكرا فيه هذا اللفظ ، وعلى أنه لو ثبت في حديث أبي ثعلبة كان حديث عدي بن حاتم أولى من وجهين : أحدهما من موافقته لظاهر الآية في قوله : ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) ، والثاني : ما فيه من حظر ما أكل منه الكلب ، ومتى ورد خبران في أحدهما حظر شئ وفي الآخر إباحته فخبر الحضر أولاهما بالاستعمال . مطلب : متى ورد خبران في حظر شئ وفي إباحته فالحاضر أولى فإن قيل : في معنى قوله : ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) أن يحبسه علينا بعد قتله له ، فهذا هو إمساكه علينا . فيقال له : هذا غلط ، لأنه قد صار محبوسا بالقتل فلا يحتاج الكلب إلى أن يحبسه علينا بعد قتله ، فهذا لا معنى له . فإن قيل : قتله هو حبسه علينا . قيل له : هذا أيضا لا معنى له ، لأنه يصير تقديره الآية على هذا : فكلوا مما قتلن عليكم ، وهذا يسقط فائدة الآية ، لأن إباحة ما قتلته قد تضمنته الآية قبل ذلك في قوله تعالى : ( وما علمتم من الجوارح ) ، وهو يعني صيد ما علمنا من الجوارح جوابا لسؤال من سأل عن المباح منه . وعلى أن الإمساك ليس بعبارة عن القتل ، لأنه قد يمسكه علينا وهو حي غير مقتول ، فليس إمساكه علينا إذا إلا أن يحبسه حتى يجئ صاحبه . ولا يخلو الإمساك علينا من أن يكون حبسه إياه علينا من غير قتل أو حبسه علينا بعد قتله ، أو تركه للأكل منه بعد قتله ، ومعلوم أنه لم يرد به حبسه علينا وهو حي غير مقتول لاتفاق الجميع على أن ذلك غير مراد ، وأن حبسه علينا حيا ليس بشرط في إباحة أكله لأنه لو كان كذلك لكان لا يحل أكل ما قتله ، ولا يجوز أيضا أن يكون المراد حبسه علينا بعد قتله وإن أكل منه ، لأن ذلك لا معنى له ، لأن الله تعالى جعل إمساكه علينا شرطا في الإباحة ، ولا خلاف أنه لو قتله ثم تركه وانصرف عنه ولم يحبسه علينا أنه يجوز أكله ، فعلمنا أن ذلك غير مراد ، فثبت أن المراد تركه الأكل . فإن قيل : قوله : ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) يقتضي إباحة ما بقي من الصيد بعد أكله ، لأنه قد أمسكه علينا إذا لم يأكله ، وإنما لم يمسك علينا المأكول منه دون ما بقي